ترتيل

إدريس عليه السلام

نسبه ومكانته بين الأنبياء

هو إدريس بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام، واسمه في التوراة 'أخنوخ' (Enoch). عاش في الفترة الفاصلة بين آدم ونوح عليهما السلام، وهو من أوائل الأنبياء الذين بعثهم الله بعد شيث عليه السلام. أدرك من حياة آدم ثلاثمائة وثمانياً وستين سنة كما ذكر بعض أهل العلم. جاءت نبوته في زمن بدأ فيه الفساد يدب في ذرية آدم، فكان إدريس نوراً يهدي قومه إلى طريق التوحيد والاستقامة. ذكره الله في كتابه العزيز مع صفوة الأنبياء في سورة مريم وسورة الأنبياء، مما يدل على علو منزلته وشرف مقامه عند الله تعالى. وقد ذكر ابن إسحاق أنه أول بني آدم أُعطي النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام، فكان حلقة الوصل بين أبي البشرية ونوح أبي البشرية الثاني.
مريم: 56-57الأنبياء: 85-86

أول من خط بالقلم: ثورة المعرفة

من أعظم ما اشتهر به إدريس عليه السلام أنه أول من خط بالقلم وكتب الخط، وهذه منقبة عظيمة جعلته رائد حفظ العلم في تاريخ البشرية. قبله كان العلم يُنقل شفاهةً من جيل لجيل، فكان معرضاً للضياع والتحريف والنسيان. فلما علّمه الله الكتابة، صار بإمكان الإنسان أن يدوّن الوحي والشرائع والعلوم، فتحفظ للأجيال القادمة. وقد أقسم الله بالقلم في كتابه: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ تعظيماً لشأن الكتابة وأدواتها. كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ربطاً بين كرم الله وتعليم الكتابة. وذكر وهب بن منبه وغيره أن إدريس كان يعلّم قومه الكتابة ويأمرهم بتدوين الحكمة، فانتشر العلم في عهده انتشاراً لم يعهده البشر من قبل، وصارت الكتابة أداة حضارية لبناء المجتمعات.
القلم: 1العلق: 3-5

أول من خاط الثياب: كساء الكرامة

ذكر أهل التاريخ والسير أن إدريس عليه السلام كان أول من خاط الثياب ولبسها، فقبله كان الناس يلبسون جلود الحيوانات والأصواف غير المحاكة. علّمه الله فن الخياطة فصنع الملابس من الأقمشة المنسوجة، وهذا يدل على ما أعطاه الله من علم وحكمة في تسخير المواد لخدمة الإنسان. والثياب في الإسلام ليست مجرد غطاء للجسد، بل هي من نعم الله العظيمة التي امتنّ بها على عباده، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾. فجمع الله بين اللباس المادي ولباس التقوى، وكأن إدريس حين علّم قومه الخياطة كان يعلمهم الحضارة والستر والكرامة الإنسانية في آن واحد. وهذه الصناعة التي بدأها إدريس تطورت عبر القرون حتى صارت من أعظم الصناعات البشرية، فكل خيط يُحاك فيه أثر من بركة هذا النبي الكريم.
الأعراف: 26

علم النجوم والحساب: فقه الكون

كان إدريس عليه السلام أول من نظر في علم النجوم والحساب وسير الكواكب، لا من باب التنجيم المذموم، بل من باب التفكر في خلق الله وتسخير هذه العلوم لنفع البشر. علّمه الله كيف يتأمل في حركة الشمس والقمر والنجوم، فاستخرج منها مواقيت الصلاة والعبادة، وعرف بها الفصول والمواسم، وحسب بها الأيام والشهور والسنين. وقد جعل الله النجوم زينة للسماء وهداية للمسافرين ورجوماً للشياطين، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾. فكان إدريس رائداً في ربط العلم التجريبي بالإيمان، يعلّم قومه أن التأمل في الكون طريق لمعرفة الخالق، وأن الحساب والرياضيات أدوات لفهم نظام الله في خلقه.
الأنعام: 97يونس: 5

صدّيقاً نبياً: دعوته وجهاده

وصف الله تعالى إدريس بوصفين جليلين في قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾. فالصدّيق هو بالغ الصدق في قوله وعمله واعتقاده، والنبي هو المختار لتبليغ رسالة الله. جمع إدريس بين كمال الأخلاق وشرف المهمة، فكان يدعو قومه إلى توحيد الله والابتعاد عن المعاصي التي بدأت تنتشر في ذرية قابيل. وقد ذكر المؤرخون أنه أقام في قومه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فآمن به بعضهم وأعرض آخرون. كان يعظهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويذكرهم بنعم الله عليهم، ويحذرهم من عاقبة الظلم والفساد. وقيل إنه خرج بمن آمن معه فراراً من أهل الشر، فنزلوا بأرض مصر على ضفاف النيل، حيث أقام دعوته وعبادته. وكان يصوم النهار ويقوم الليل، ويجاهد في سبيل الله بالعلم والدعوة حتى رفعه الله إلى مقامه العلي.
مريم: 56

رفعه مكاناً علياً: الصعود إلى السماء الرابعة

قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، وهذا من أعظم ما أكرم الله به إدريس عليه السلام. اختلف المفسرون في معنى هذا الرفع؛ فذهب جمهورهم إلى أن الله رفعه إلى السماء حياً، واستدلوا بحديث الإسراء والمعراج الثابت في الصحيحين، حيث لقي النبي محمد صلى الله عليه وسلم إدريسَ في السماء الرابعة، فسلّم عليه وقال: 'مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح'. وقال بعض السلف كمجاهد وغيره إن المراد رفعة المنزلة والمكانة عند الله. ويمكن الجمع بأن الله رفعه رفعة حسية إلى السماء ورفعة معنوية في الدرجة والقدر. وقد ذكر كعب الأحبار أن الله أوحى لإدريس أنه يرفع له كل يوم من العمل مثل أعمال جميع أهل الأرض في زمانه، فطمع في الزيادة، فصعد به ملك من الملائكة حتى بلغ السماء الرابعة، وهناك لقيه ملك الموت نازلاً، وقُبضت روحه في السماء بأمر الله.
مريم: 57
ترتيل

إدريس عليه السلام

هو إدريس بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام، واسمه في التوراة 'أخنوخ' (Enoch). عاش في الفترة ...

استمع للقصة:

لا يتوفر تسجيل صوتي لهذه القصة.